عبد العال سالم مكرم
35
من الدراسات القرآنية
وفي نظري أن المراد بالإعراب هنا الإبانة والتوضيح ، وفهم الغريب : « وقد كان الصحابة رضوان اللّه عليهم يسمون هذا الغريب ( إعراب القرآن ) لأنهم يستبينون معانيه ، ويخلصونها » « 1 » . على أية حال أستطيع أن أؤكد في هذا المقال أن هذا الفهم الذي فهمه بعض المستشرقين يدل على جهل باللغة ، بل على جهل بالتاريخ . أما الجهل باللغة فإن الإعراب هنا كما قلت : معناه ، الإبانة والوضوح ، يقول الفيروزآبادي : « الإعراب : الإبانة والإفصاح عن الشيء » « 2 » . وإما أن يرجع الإعراب إلى بيان حلاله وحرامه ، أي تعرفوا على ما فيه من حلال فاعملوا به ، وعلى ما فيه من حرام - فتجنبوه ، يدل على ذلك « أن الصحابة كانوا إذا تعلموا من النبي صلّى اللّه عليه وسلم عشر آيات لم يجاوزوها حتى يتعلموا ما فيها من العلم والعمل ، قالوا : فتعلمنا القرآن والعلم والعمل جميعا » « 3 » . وأما الجهل بالتاريخ ، فإن القرآن الكريم نزل على قوم تمكنت من ألسنتهم الفصاحة وغذوا بلبان البلاغة ، وتدربوا على ميادين القول ، ولن يكون ذلك إلا بإعراب ، ولو كان بلهجة محلية كما يقول بعض المستشرقين لسهل الأمر وأصبح القرآن غير معجز ، لأن من السهل الإتيان بمثله ، ومن السهل أن يندثر القرآن الكريم كما اندثرت بعض هذه اللهجات ، وأصبحت أثرا بعد عين ، أما والقرآن الكريم قائم بيننا بصولته البلاغية ، يتحدى أرباب القول ويعجز أساطين البلاغة ، وهو الذي خلد هذه اللغة ، وخلد إعرابها ، وجعلها حية بعد هذه السنين الطويلة التي طوت فيما طوت كثيرا من اللغات ، فإنه لا سبيل إلى إنكار أنه نزل معربا ، وأن القول بخلاف ذلك قول مغرض . أكبر الظن أن فتح الثغرات في جبهة القرآن لينال منه من ينال كان من دأب هؤلاء المستشرقين ، ولكن القرآن الكريم أكبر من هذه السخافة ، وأقوى من هذه الفتنة ، وصدق اللّه العظيم . . إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون .
--> ( 1 ) اعجاز القرآن للرافعي ص 57 . ( 2 ) القاموس المحيط في المادة نفسها . ( 3 ) مقدمة في أصول التفسير لابن تيمية ص 5 .